تطور حركة المرأة في المجتمع الليبي بين التمكين والتفعيل
دراسة توثيقية
بقلم: د. آمال سليمان محمود العبيدي
الليبيات شاركن في حركة التحرير الشعبي وبعد الاستقلال رجعن لبيوتهن لممارسة دورهن التقليدي
النخب الليبية ارسلت بناتها للمدارس العثمانية لخوفها من ارسالهن الي المدارس الاجنبية
علي الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت دور المرأة في المجتمع الليبي، خاصة تلك التي اهتمت بقضية عمل المرأة ومساهمتها في سوق العمل، إضافة إلي المشاركة السياسية لها، والمرأة المسلحة وكذلك الدراسات التي اهتمت بقضايا التحديث والتنمية، وتغير الاتجاهات نحو دور المرأة في المجتمع الليبي. إلا أن دراسة موضوع حركة المرأة في ليبيا ومحاولة رصد نشأتها وتطورها في ظل التفاعلات التاريخية التي حدثت في المجتمع عبر الفترات الزمنية المختلفة، والتي استهدفت الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تعتبر من أصعب الموضوعات التي يمكن التطرق اليها، كما أنها لم تحظ باهتمام الباحثين علي عكس الحركات الاجتماعية الأخري كالحركة العمالية علي سبيل المثال، و ذلك قد يعود إلي جملة من الأسباب التي يمكن ذكرها علي النحو التالي:
أولا: إشكالية منهاجية؛ تنبع من طبيعة المفهوم نفسه أي مفهوم الحركة بصفة عامة وما يكتنفه من غموض، حيث استخدمت الأدبيات المختلفة مفهوم الحركة الاجتماعية ليرمز إلي جماعات الضغط أو الحركات الدينية والعقائدية والتي تهدف إلي تغيير القواعد والقيم السائدة. كذلك ما يتعلق بمفهوم الحركات النسائية والتي عرفت بأنها مجموعة من الحركات الصغري التي تنبعث من سلسلة من ردود الفعل التلقائية المنظمة وغير المنظمة من جانب الآلاف من النساء ، وفقا لهذا المفهوم فإن حركة المرأة في ليبيا اتخذت شكل مبادرات فردية قامت بها مجموعة من النساء وبشكل تلقائي غير منظم في فترة ما، وذلك في سبيل تعزيز وضع المرأة والدفاع عن حقوقها.
ثانياً: لعب العامل الأيديولوجي الرسمي منذ عام 1969 دوراً هاماً في التجربة الليبية فيما يتعلق بتعزيز وضع المرأة، وتمكينها وتفعيل دورها، وانعكس ذلك في طبيعة العلاقة بين الدولة والمرأة كإحدي فئات المجتمع التي أولتها الأيديولوجية الليبية اهتماما خاصا. حيث نتج عن ذلك وجود فجوة بين الأطروحات الفكرية لقضايا المرأة والجوانب التنفيذية أو التطبيقية المعززة لدور المرأة في المجتمع.
ثالثا: نقص المعلومات والبيانات التي تعكس دور وتطور حركة المرأة، ولعل ذلك ناتج عن غياب التوثيق بصفة عامة والتوثيق التاريخي لحركة المرأة بصفة خاصة.
رابعا: غياب المراكز البحثية المتخصصة التي تهتم بدراسات المرأة ورصد تطور حركتها، والاهتمام بكل ما له علاقة بقضاياها.
وبصفة عامة فإن المتتبع لتطور أوضاع المرأة في ليبيا لا ينبغي أن يغفل طبيعة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أثرت أو ساهمت في هذا التطور. وعليه فإن هذه الدراسة هي محاولة استكشافية، تهدف إلي التعرف علي وجود حركة المرأة وتاريخها في ليبيا، وماهية الأسس التي ساهمت في تكوين هذه الحركة أو ساهمت في تطويرها، إضافة إلي ماهية اتجاهات هذه الحركة إن وجدت، وما هي العوامل التي تأثرت بها. وفي هذا الإطار فإن الدراسة ستركز علي طبيعة التطورات التي حدثت في المجتمع الليبي عبر الفترات التاريخية المختلفة والتي انعكست بشكل مباشر علي تطور حركة المرأة في ليبيا، كذلك تتطرق الدراسة إلي تطور أوضاع المرأة الليبية من خلال التركيز علي خمس فترات زمنية هي فترة الحكم العثماني، وفترة الحكم الإيطالي، وفترة الإدارتين البريطانية والفرنسية، ثم فترة الحكم الملكي وأخيرا فترة قيام الثورة منذ عام 1969 وحتي الوقت الراهن. كذلك تبرز الدراسة أثر العامل الأيديولوجي علي تغير الاتجاهات نحو دور المرأة في المجتمع خاصة منذ عام 1969. وأخيرا تتناول الدراسة الجوانب التقييمية لدور المرأة في المجتمع الليبي من خلال الأوضاع القانونية، ومن خلال المشاركة في العمل السياسي وخاصة في عملية صنع القرار،كذلك من خلال مشاركتها في سوق العمل، ثم من خلال تقلدها للمناصب القيادية المختلفة إضافة إلي المناصب القضائية.
أولاً: هدف و منهاجية الدراسة
هذه الدراسة هي محاولة استكشافية لتتبع والتعرف علي وجود و تطور حركة المرأة في ليبيا، من خلال التحليل الوثائقي لأدبيات الموضوع خاصة ما يتعلق بالتطور التاريخي لأوضاع المرأة، كذلك يعتمد الجزء الأساسي من هذه الدراسة وهو المتعلق بتقييم دور المرأة وتطور أوضاعها في المجتمع علي أحد تقنيات البحث المساعدة والتي تعتمد علي التركيز الجماعي علي فئة أو فئات محدودة (Focus Groups) وهو أحد الأساليب الكيفية المساعدة التي تستخدم لاستكشاف توجهات الأفراد سواء عن طريق المقابلة المباشرة أم عن طريق الهاتف.
أما في إطار هذه الدراسة فقد استخدم هذا الأسلوب، وذلك من خلال التركيز علي مجموعتين من المهتمات بشؤون المرأة والمنخرطات في العمل النسوي، حيث تم اختيارهن بطريقة عشوائية وتتضمن كل مجموعة سبع مشاركات، وقد تمت مناقشة الجوانب المتعلقة بوجود حركة المرأة وتطورها وكذلك تقييم دورها.
تعتمد هذه الدراسة مفهوم حركة المرأة وهو علي النحو التالي: هي مجموعة المبادرات الفردية والجماعية التي قامت بها النساء وبشكل تلقائي غير منظم في فترات تاريخية مختلفة، وذلك في سبيل تعزيز وضع المرأة والدفاع عن حقوقها.
ثانيا: المجتمع الليبي: نظرة تاريخية عامة:
إن المتتبع لتطور أوضاع المرأة في ليبيا لا يمكنه أن يتجاهل طبيعة التطورات والتغيرات التي حدثت في المجتمع الليبي عبر الفترات التاريخية المختلفة، والتي لعبت دوراً حاسما في التأثير علي البيئة الاجتماعية والثقافية والبني السياسية والاقتصادية. عليه فإن فهم الخلفية التاريخية لليبيا يساعد علي فهم العوامل والعناصر التي أثرت وساهمت في تحديد الأسس التي ساهمت في تطوير حركة المرأة.
تاريخيا خضعت ليبيا كغيرها من أقطار الوطن العربي للحكم العثماني منذ عام 1551، وظلت كذلك حوالي أربعة قرون حتي الغزو الإيطالي عام 1911، وإن تخلل هذه الفترة خضوع ليبيا للأسرة القرمانلية التي أعلنت قيام ملكية مستقلة استمرت من 1711 إلي 1835.
احتل الإيطاليون ليبيا عام 1911، واستمر احتلالهم حوالي ثلاثة عقود، وبعد عقد من سيطرة الإدارتين البريطانية والفرنسية، أصبحت ليبيا دولة مستقلة وذلك في 24 كانون الاول (ديسمبر) 1951، تحت رعاية الأمم المتحدة. عرفت الدولة الجديدة بداية باسم المملكة المتحدة، وبعد ذلك أصبح اسمها المملكة الليبية. في عام 1969، ساهم المدخل العسكري في تغيير نظام الحكم ونتج عن ذلك إلغاء الملكية، و قيام الجمهورية العربية الليبية لتبدأ بعد ذلك حقبة جديدة من التاريخ السياسي الحديث لليبيا.6 ووفقاً لذلك يمكن القول بأن هناك جملة من العوامل ساهمت عبر مراحل مختلفة في التأثير علي طبيعة المجتمع الليبي والتي يمكن ذكرها علي النحو التالي:
أولا: نتيجة لخضوع ليبيا لاستعمار العديد من القوي الأجنبية عبر الفترات التاريخية المختلفة، فإن ذلك أثر علي التجربة السياسية والثقافية خاصة ما يتعلق بنظم التعليم، والتي بدورها أثرت علي طبيعة دور المرأة واتجاهات المجتمع الليبي تجاه هذا الدور.
ثانيا: لعبت الع














