مقاربة لمجموعة همس القوارير ….بقلم د. زياد علي

مارس 25th, 2008 كتبها تركية عبدالحفيظ نشر في , همس القوارير

 

كتبوا عن مجموعة همس القوارير 2

     78imag

 

 

قصص لا تفضي أسرارها بسهولة

 

                

 529ima

 بقلم د. زياد علي  

 

 

 

 

المجموعة القصصية الأولى للكاتبة تركية عبد الحفيظ همس القوارير لا تحتاج الى بصمات إضافية لوصولها إلى المتلقي، فهي تملك قامتها التي تفرض حضورها بداية من شفافية الإهداء إلى السرد الممتع، واللغة الجميلة والمضمون.
وهي قصص عايشت مناخات وفضاءات متعددة، خرجت كاتبتها في بعضها من ثوبها النسائي لتتماهى مع شخصية الرجل المتمثل في رفيق العمر واستطاعت بذكاء وحرفنة أن تعايش عوالمه، وتستبطن مناخاته مادياً ونفسياً وتتحدث بصوته.. فيها يتجاوز السياسي خطوط الإبداع أحياناً قبل أن يتم لجمه، من قبل صاحبته، التي تعرف كيف تجهض شهوة الحكي التي تسرق البعض، ودائماً تقف في الحد الفاصل بين وضوح الفكرة وبين الإنشاء والثرثرة.
وهذا أهم ما يحققه الكاتب السردي، عندما لا تأخذه المجانية والتكرار.
نصوصها ليست القصة الحديثة التي لا تفضي أسرارها بسهولة، وأيضاً ليست العبث، بل القصة المتكاملة المكثفة المختارة بدقة، قد يحسد عليها صاحبها. تمتح صاحبتها من المدرسة الواقعية محاذرة السقوط في المباشرة والتقريرية في أغلب النصوص.
* في القصة الأولى (وأصبحت شاعراً يا جنان) يتمثل أمام القارئ المتنبي وهو يفتح عينه على كثير ولكن لا يرى أحداً، وإن كان الخطاب العنتري متواجداً كمطربي (هذا العصر..)، ليس هذا فحسب فهناك الحضور المتحقق للكوميدي الساخر في الزمن الذي يشبهه. ويكون الحزن بمقدار المحبة، بمقدار الرموز الجغرافية دجلة والفرات وصولاً الى الرموز الإنسانية حيث يتمثل الإبداع وتصرخ (النشميات) ولكن: (ولا معتصماه). وتقترب القاصة (الفراشة) من جنان النار والنور الصديقة اللدودة (حبة القلب ربما.. سكينه ربما) الغريمة والحديقة التي تفرش غواياتها بزهورها البنفسجية المحتشمة والحزينة. وتقرر الأنثى الكاتبة أن تترك رد الفعل الى الإنسانة المبدعة، والتي تتجاوز الغيرة بهستيريا الرومانسية حين تخدع نفسها بالعلاقات الإنسانية البريئة، وتراهن على ما يلوح في أفقنا.. غيرة خاصة إذا ما كان الذي نعايشه هو النهج الوحيد المضمون، وتكون المواجهة خير وسائل الدفاع، وهذا ما يجعل بطلة القصة ـ مثل ما يسرد لنا البطل الذي اتخذته قناعها ـ تقفز في الظلام لتحقق كرامة التواصل مع صديقة (حبة القلب وما بعد العمر والروح)، إنها تراهن على سلاح سلالة حواء الضعيفة افتراضاً، المتمثل في الذكاء الفطري ويكون الانقلاب من اقصى الرفض الى أقصى القبول، ويتجاوز الاهتمام من طرف أفضل ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله ـ بجنان فيه المزايدة على اهتمام البطل، أن تحب الزوجة المرأة التي اصطدمت بزوجها، أكثر مما يحبها الملك فتكون أكثر منه ملكية: وتنهمر أمطار الشفقة والخوف والارتباط الروحي والسعي للاطمئنان على جنان.
* في هذه القصة التي تتماس مع مضمونها كأنموذج استطاعت القاصة بتقمصها لصوت الآخر بخلقها لقناعها، أن تقول على الورق المسكوت عنه، خارج جدران ساعات المواجهة والتحدي وأن تتماهى مع الحالة التي تفرض حضورها بالغزل والوصف من خلال معايشة أحاسيس ومشاعر الآخر، وكأنها تمكنت من تنويمه وتحقيق غسيل محور ارتكازه العلوي (العقل) وتجاهل محور ارتكازه الغضبي، على أمل أن يكون العطب لم يصل الى مضغة القلب المحور الثالث.
وكان توظيف ما يود أن يبقى مكسوتا عنه لتقدمه في قصتها وترضى بتحقيق عملها الإبداعي تعويضاً لمرارة لحظات الغيرة التي تم وأدها. ويقف المتلقي مشدوهاً أمام المفارقات بين جملة (يا عيني..) بما تحمله من شحنة قدحية وبين (يا عيني) بلهجة الشاعرة لميعة عباس عمارة المضمخة بما في بلاد الرافدين، من فجور وتقوى.
ويتعمق غور الغيرة والسخرية ويتسع البون شاسعاً.
جرعات
ويختصر المرء الكثير ويكتفي بأن ينتبه لسيطرة القاصة على توصيل جرعات مضامينها وما تؤثث به فضاءها السردي بهدوء وحرفية، بجمل واضحة، مترابطة، دون تعسف، تشد المتلقي ولا تقطع تواصله، مخترقة المسافة دون صخب وضجيج ودون ارتباك أمام مستنقع الإنشائية مع التركيز الكامل عند رصد مشاعر الإنسان النموذج (ق

المزيد